عبد الوهاب الشعراني
355
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
قابض الأجرة من اللّه تعالى فأشبه الأجير في قبض الأجرة وفارقه بالاستئجار انتهى . ( فإن قلت ) : فهل الأفضل ترك الأجرة أو أخذها صدقة من اللّه تعالى ؟ ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الكلام على الأذان : أن مذهب المحققين أخذ الأجرة وأن ذلك أفضل من تركها لكن بشرط أن يكون مشهده الأخذ من اللّه لا من المخلوقين . فللكمل طلب الأجرة وأخذها من باب المنة وإظهار الفاقة لا من باب الاستحقاق وذلك من أجل ما يؤكل ويتمتع به فعلم أن مقام الدعوة إلى اللّه تعالى يقتضي الأجرة وما من نبي دعا قومه إلى اللّه تعالى إلا قال لا أسألكم عليه أجرا فأثبت الأجر على الدعاء ، ولكن اختار أن يأخذه من اللّه تعالى . ( قلت ) : ويؤخذ من هذا أن للواعظ منا أو المدرس أو المفتي يعلم أن يأخذ أجرا على ذلك إذ هو من عمل يقتضي الأجر بشهادة كل رسول اللّه تعالى ، وله أيضا أن يترك الأخذ من الناس ويطلبه من اللّه تعالى اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ هو أجر تفضل اللّه تعالى به على عبده لكون العبد لا يستحق على سيده أجرا من حيث إنه ملكه وعين ماله . وقال الشيخ أيضا في الباب السادس عشر وثلاثمائة : اعلم أن استخدام الحق العبد على حالين للعبد : فتارة يعبده العبادة المحضة ، وتارة يعبده عبادة إجارة فمن كونه عبدا هو مكلف بالصلاة والزكاة وجميع الفرائض ولا أجر له على هذا جملة واحدة من حيث أداء فرضه إنما له ما يمن به على عبده من النعم التي هي أفضل من الأجر لا على جهة الأجر ثم إنه تعالى ندب إلى عبادته في أمور ليست فرضا على العبد فعلى هذه الأعمال المندوبة فرضت الأجور فكل من تقرب بها إلى سيده أعطاه أجرته عليه وكل من لم يتقرب لم يطلبه بها ولا يعاقبه عليها . فمن هنا كان العبد حكمه حكم الأجير في الإجارة ، فالفرض له الجزاء الذي يقابله من حيث إنه هو العهد الذي بين اللّه وبين عباده وأما النوافل فلها الأجور وهي قوله في الحديث القدسي : ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . الحديث فإذن : أنتجت النافلة للعبد محبة الحق تعالى ، والنكتة في ذلك هو أن المتنفل عبد اختيار كالأجير ، فإذا اختار الإنسان أن يكون عبد اللّه لا عبد هواه فقد آثر اللّه تعالى على هواه ، وأما في الفرائض فهو عبد اضطرار لأن العبودية